أبو سعد بن أبي علي كاتب بغدادي ( ابن الموصلايا )

368

رسائل أمين الدولة ابن الموصلايا

وكان تقدّم باستيفاء الخطاب على هذه الأسباب ، وإعلام من أشير إليه أنكم أنفذتم حماة وخدما للدّار العّزيزة ، يستقيمون في احتذاء مراسمها ، ويقيمون في الخدمة ما يجب من أسواق الطّاعة ومواسمها ، لا أن يجعلوا ضياعها معيشة لكم تنتفعون بجدواها ، ويجرون في ذلك إلى أفعال لا تحمدون عقباها ، ويندبون الغلمان كلّ وقت لسدّ شروب الوكلاء ، وتناول ما هو منسوب على الحقيقة إلى بيع الماء ، فتهلك زروع الضّياع الخواصّ ، ويتسلّط من الضّرر ما يعود على الصّلاح بالانثلام والانتقاص . ومعلوم أنّه مع توفيتهم ما ينوبهم من الغلّة والجامكيّة [ 1 ] ، وجري أمورهم على ما يجاوز قدر البغية والأمنيّة ، وكونهم بحيث يصل إليهم ما يعمّهم ويكفيهم ، ويقتضي أن يكفّهم عن مدّ اليد إلى ما عدا ذاك ويعينهم ، لا عذر لهم في توجيه الطّمع إلى ما لا ( 138 أ ) يجب بحال ، ولا بقي لهم في ميدان التّبسّط المنافي للصّواب مجال ، وإلّا فهل شرط الجمع لهم بين الصواب وبين الإقدام على منع ضياع الوكلاء من الماء ، وتسليم الشّروب إلى من لا يستحقّها ، متابعة لذميم الطّرائق والأنحاء . ولم يزالوا بين حضور واعتذار ، وتنصّل واستغفار ، وضمان لترك المعاودة الجالبة لكلّ إنكار وإكبار ، وهم في أثناء ذلك يبالغون في إيقاع الشّرور ، ويبلغون في التّحكم على النّواحي الخاصّة أبعد الحدود . فلما ندب أحد خدم الدّار العزيزة في عدد من الغلمان الخليّة لقسمة الماء بين الشّاربة ، وإزالة كلّ سدّ أحدث باليد الغالبة الغاصبة في جواب حضور العدد الجمّ من الرّعايا ، وأهل السّواد شاكين متظلّمين ، ومستغيثين متألمين من جفاف زروعهم وأشجارهم ، وهلاك غلّاتهم وثمارهم ، اتّفقت منابذة بين أحد الغلمان المخرجين ، وبين غلام كان لآيتكين - حسب ما جرت به العادة بين هذه الطّوائف ، وبمقتضى السّنّة ( 138 ب ) المؤلوفة في السّالف والآنف - فعنّ للمشار إليه البدار بجمهور من في جملته من الغلمان ، فأوقعوا بالخادم ومن كان معه من غلمان الدّار العزيزة إيقاعا سار خبره ، وساء أثره ، وجرح ستّة من جملتهم ، وسلب بعضهم ما

--> ص 172 ، ابن الأثير ، الكامل ، ج 10 ، ص 70 ، سبط ابن الجوزي ، مرآة الزمان ( 440 - 490 ه ) ،